8/26/2010
        
   
البحث في الموقع

  
  
 
 
 المهرجانات والتراويح .. من المدنس إلى المقدس

 الدكتور أحمد الريسوني لـشبكة إسلام أون لاين": الاتجار في التمور الإسرائيلية حرام

 الأستاذ أحمد الريسوني..رئيسا لرابطة علماء أهل السنة

 
 الاجتهاد المصلحي مشروعيته ومنهجه

مصطلح "الاجتهاد" ليس بحاجة إلى تعريف وبيان في هذا البحث، فهو مستعمل بمعناه الاصطلاحي والاستعمالي المعروف في الفقه وأصول الفقه.
ولكني أضيف أن الاجتهاد قد يكون فيما ليس فيه نص يخصه، وهذا معلوم واضح. وقد يكون فيما فيه نص، فيقع الاجتهاد في تفسير النص وتحديد مناطه، وفي تعليله وتنزيله ... ومعنى هذا أن قاعدة (لا اجتهاد مع النص)، لا تمنع الاجتهاد الذي يتطلبه فهم النص، وما يعتري ذلك الفهمَ من غموض أو استشكال أو تعارض... كما أنها – من باب أولى – لا تمنع من الاجتهاد في استخراج علل النصوص ومقاصدها ومناطاتها، مع ما قد يترتب على ذلك من تقييد أو تخصيص، أو تعدية وتوسيع لمدلول النص. وهذا فضلا عن الاجتهاد في الصور والإشكالات التطبيقية للنص.
فقاعدة (لا اجتهاد مع النص)، إنما تمنع الاجتهاد فيما له حكم منصوص صريح واضح. لأن مثل هذا النص وهذا الحكم يغني عن الاجتهاد في موضوعه، ولا يُبقي قولا لقائل.
وأما الاجتهاد الموصوف بـ"المصلحي"، فالمراد به الاجتهادُ الذي تُراعَى فيه المصلحة ويُبنى عليها، سواء كانت المصلحة هي سنده الوحيد، أو كانت عنصرا مؤثرا ضمن عناصرَ وأدلة أخرى. فمتى ما دخل في استنباط الحكم وتقريره اعتبارُ المصلحة، وكانت إحدى مقدماته الاستدلالية، فذلك مما أعنيه بالاجتهاد المصلحي.
وأما المصلحة المقصودة هنا فهي كل مصلحة وفائدة مقبولة معتبرة بأدلة الشرع وموازينه ومقاصده، بمعنى أن تكون مصلحةً مشروعة على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة. وبعبارة أخرى ومعيار آخر: أن تكون المصلحة ضرورية أو حاجية أو تحسينية، سواء دل عليها نص معين، أو دلت عليها جملة نصوص، أو اندرجت فيما عُلم من مقاصد الشريعة، أو كانت مما علم بالتجارب والضرورات والخبرات والحاجات البشرية.
ومما يدخل في معنى المصلحة درءُ المفسدة، باعتبار أن درء المفسدة مصلحة، وأن ترك المصلحة مفسدة. فكل اجتهاد روعي فيه درء مفسدة ومضرة، باتقائها حتى لا تقع، أو درئها بعد أن وقعت، أو تقليل وقوعها، أو تقليل بقائها، فهو مما أعنيه بالاجتهاد المصلحي.
فالحاصل: أن الاجتهاد المصلحي هو كل اجتهاد فقهي روعي في الأخذ به تحصيل مصلحة أو فائدة دينية أو دنيوية، أو درء مفسدة دينية أو دنيوية، سواء كان فيه نص أو لا نص فيه.
فالاجتهاد المصلحي أوسع بكثير من مجرد الالتفات إلى المصلحة المرسلة حيث لا نص ولا إجماع ولا قياس، بل المقصود إلى جانب ذلك، إعمال المصلحة ومراعاتها في فهم النص وتنزيله، وفي تقريب الإجماع وتشكيله، وفي توجيه القياس أو العدول عنه.
والاجتهاد المصلحي بهذا المعنى ليس فيه أي جديد، وليس شيئا مبتدعا، بل هو النهج الذي رسمه لنا القرآن الكريم والسنة النبوية، وسار عليه فقهاء الصحابة وأئمة الفقه الإسلامي. وهو اجتهاد لا يعطل نصا ولا يتقدم على نص، بل هو نابع من النص تابع له، حائم حول حماه، ومراعٍ لمبتغاه.












المبحث الأول
الاجتهاد المصلحي في القرآن والسنة

رعاية المصالح وبناء الأحكام الشرعية عليها، في الإفتاء والقضاء والسياسة الشرعية، أصل أصيل ومكين في مناهج الأنبياء، ومَن تبعهم من الخلفاء والعلماء. والمراد في هذا المبحث تجلية ذلك من خلال القرآن الكريم، والسنة النبوية. وسيزداد الأمر وضوحا في المبحث الثاني، من خلال أقوال العلماء واجتهاداتهم.
الاجتهاد المصلحي في القرآن الكريم
ومن أمثلته في القرآن الكريم اجتهاد هارون حين استخلفه موسى - عليهما الصلاة والسلام - وكلفه بتدبير أمر بني إسرائيل أثناء غيابه، {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف : 142]، فإذا بالسامري يفتنهم ويضلهم بعجله الذهبي، فما كان من هارون - بعد أن جادلهم وحاول ثنيهم - إلا أن اجتهد اجتهادا مصلحيا عالج به المشكلة مؤقتا إلى حين رجوع موسى. والقصة مذكورة في مواضع من القرآن الكريم، منها قوله تعالى{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}
فلما رجع موسى ووجد قومه في فتنتهم وشركهم الفت إلى هارون يلومه {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي...} [طه : 90 - 94]
ومنها قوله تعالى:{... وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سورة الأعراف : 150]
والاجتهاد المصلحي المقصود هنا هو أن هارون عليه السلام لما رأى الافتتان تمكن من قلوب بني إسرائيل، وأن مواجهتهم وثَـنْـيَهم عن فتنة السامري وعِجْله، سيجر إلى انقسام واقتتال فيما بينهم، اختار المهادنة وتركَ الأمرِ على ما هو عليه - من غير إقرار له - إلى أن يرجع موسى فيعالج هذا الانحراف بما لَهُ من قوة ومكانة. وكذلك كان، فقد انتهت هذه الفتنة بما أعلنه موسى عليه الصلاة والسلام قائلا للسامري ومن تبعه من بني إسرائيل: {وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه : 97 ، 98]
قال ابن عاشور - رحمه الله - يشرح الوجه الاستصلاحي في اجتهاد هارون: "وهذا اجتهاد منه في سياسة الأمة، إذ تعارضت عنده مصلحتان: مصلحة حفظ العقيدة ومصلحة حفظ الجامعة من الهرج ، وفي أثنائها حفظ الأنفس والأموال والأخوة بين الأمّة، فرجّح الثانية ، وإنما رجحها لأنه رآها أدومَ، فإن مصلحة حفظ العقيدة يُستدرك فواتُها الوقتيُّ برجوع موسى وإبطاله عبادة العجل حيث غَيَّوْا عكوفَهم على العجل برجوع موسى ، بخلاف مصلحة حفظ الأنفس والأموال واجتماع الكلمة إذا انثلمت عسر تداركها. وتضمن هذا قولُه {إنِّي خَشِيتُ أن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إسرائيلَ ولَمْ تَرْقُب قَوْلِي}"
ثم أعرب ابن عاشور عن رأيه في هذا الاجتهاد بقوله: "وكان اجتهاده ذلك مرجوحاً، لأن حفظ الأصل الأصيل للشريعة أهم من حفظ الأصول المتفرعة عليه، لأنّ مصلحة صلاح الاعتقاد هي أم المصالح التي بها صلاح الاجتماع"
والحقيقة أننا لا نجد في هذه القصة القرآنية شيئا يفيد خطأ هارون في اجتهاده أو مرجوحية هذا الاجتهاد. وإنما نجد أنه جادل المبطلين بالتي هي أحسن وبأبلغ ما يمكن. قال الله تعالى {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طه : 90]
قال الفخر الرازي:"واعلم أن هرون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولاً بقوله {إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ}، ثم دعاهم إلى معرفة الله تعالى ثانياً بقوله {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ}، ثم دعاهم ثالثاً إلى معرفة النبوة بقوله {فَاتَّبِعُونِى}، ثم دعاهم إلى الشرائع رابعاً بقوله {وَأَطِيعُواْ أَمْرِى}. وهذا هو الترتيب الجيد؛ لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله تعالى هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة. فثبت أن هذا الترتيب على أحسن الوجوه"
وكل ما يمكن أن يقال في اجتهاد هارون هو أنه لم يلجأ إلى القوة والقتال لمنع المتهافتين على العجل الذهبي من تأليهه وعبادته، كما أنه لم يبادر بالذهاب إلى موسى لإبلاغه بما جرى. وقد بين حجته وعذره في ذلك...
ثم لا ننس أن هارون نبي من أنبياء الله المهديين المحسنين الذين أُمرنا بالاقتداء بهم. قال تعالى {... وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ...} إلى أن قال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام:84 - 90]
وأما غضب موسى عليه السلام فراجعٌ أولا إلى الحالة المزرية التي وجد قومه قد ارتكسوا فيها، ثم إنه غضبَ على هارون قبل سماع الأسباب التي دعته إلى الموادعة المؤقتة لعَبَدَةِ العجل الذهبي. ولذلك لما ذَكر هارون الأسباب والحيثيات {سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} [الأعراف : 154]
قال ابن عادل الدمشقي رحمه الله في تفسيره: "ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّه - عليه الصلاة والسلام - لمَّا عرف أن أخاه هارون لم يقع منه تقصير، وأظهر له صحة عذره، فحينئذ سكن غضبهُ، وهو الوقت الذي قال فيه: {رَبِّ اغفر لِي وَلأَخِي}"
ومن الاجتهادات المصلحية المذكورة في القرآن الكريم ما حكاه الله تعالى في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، حيث قام الخضر بخرق سفينة مملوكة للغير، مع أن ذلك في ظاهره عدوان وفساد، مما جعل موسى ينكر عليه فورا، قال الله سبحانه: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرا} [سورة الكهف : 71].
وبيان ذلك أن الخضر خرق السفينة لكي تصبح مَعيبة، فينقذَها ويبقيَها بذلك على أصحابها، حتى لا تُغصب منهم. وهذا ما حكاه الله تعالى من قول الخضر مبينا سبب خرقه للسفينة: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف : 79]
فقد علم الخضر أن السفينة كانت معرضة للغصب من قِبَل قراصنة الملك الذين كانوا يجوبون البحر ويأتـونه بكل سفينة جيدة صالحة، فوجد ألا مفر من إعطاب السفينة، حتى يَزهد فيها قراصنة الملك ويتركوها لأصحابها المساكين.
ابن العربي
الاجتهاد المصلحي في السنة النبوية
الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم - من أولهم إلى آخرهم - هم الأئمة الأصليون في الاستصلاح والسياسة المصلحية الرشيدة. أخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي...)
قال القفال الكبير رحمه الله: "ومما يدل على وقوع السياسة في الشرائع ما رواه البخاري وغيره من أهل السِّـيَر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء؛ كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون ..."
فالأنبياء هم الساسة الأئمة الأولون في البشرية، كانوا يسوسون الناس بما يحقق مصالحهم الدينية والدنيوية، بما يناسب كل حال من أحوالهم. قال النووي رحمه الله: " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء: أي : يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية ، والسياسة : القيام على الشيء بما يصلحه"
وأما خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، فرعاية المصلحة طافحة واضحة في كل هديه وسنته، وخاصة في السيرة والسنة العملية.
وفي يلي نماذج مضيئة هادية من الاجتهاد والتشريع المصلحي في سنة رسول الله وسيرته عليه السلام.
1. "عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله حرم مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، لا يُختلى خلاها ولا يُعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يلتقط لقطتها إلا لمُعَرِّف. وقال عباس بن عبد المطلب إلا الإذخر لصاغتنا ولِسُقُفِ بيوتنا فقال: إلا الإذْخِر"
وقد ذكر شراح الحديث عدة تفسيرات لهذه الاستجابة النبوية الفورية لطلب استثناء نبات الإذخر من محظورات الحرم المكي، بعد طلب العباس ذلك؛ فاعتبره البعض نسخا أو تخصيصا نزل به الوحي بعد طلب العباس. واعتبر البعض أنه استثناء كان سيأتي ذكره، لكن العباس سبق بتقديم الطلب، فأجيب طلبه على وفق ما كان محكوما به أصلا... وذهب آخرون إلى أن الله تعالى حرم مكة إجمالا، وترك تفاصيل المحرمات لنبيه، فكان له أن يحدد من محرمات مكة مايراه، ويستثني منها ما يراه، وذهب فريق منهم إلى أنه اجتهاد اجتهده رسول الله برأيه وتقديره، نظر فيه إلى حاجة الناس ومصلحتهم، فهو من السنن النبوية الاجتهادية.
قال أبو محمد بن قتيبة رحمه الله: "والسنن عندنا ثلاث:
سنة أتاه بها جبريل عليه السلام عن الله تعالى كقوله (لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها) و(يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) و(لا تُحَرِّم المصة ولا المصتان) و(الدية على العاقلة) وأشباهِ هذه من الأصول والسنة.
الثانية سنة أباح الله له أن يسنها وأمره باستعمال رأيه فيها، فله أن يترخص فيها لمن شاء على حسب العلة والعذر، كتحريمه الحرير على الرجال وإذنِه لعبد الرحمن بن عوف فيه لعلة كانت به، وكقوله في مكة (لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها)، فقال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيوننا فقال إلا الإذخر. ولو كان الله تعالى حرم جميع شجرها لم يكن يتابع العباس على ما أراد من إطلاق الإذخر، ولكن الله تعالى جعل له أن يطلق من ذلك ما رآه صلاحا فأطلق الإذخر لمنافعهم...
والسُّنة الثالثة ما سنه لنا تأديبا، فإن نحن فعلناه كانت الفضيلة في ذلك، وإن نحن تركناه فلا جناح علينا إن شاء الله..."
ونقل ابن بطال رأي شيخه المهلب بن أبي صفرة، وهو شبيه برأي ابن قتيبة، ومُضَمَّنه "أن الله كان قد أعلم نبيه فى كتابه بتحليل المحرمات عند الضرورات ، فمنها أن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما فى الآية، وأحلها لعباده عند اضطرارهم إليها بقوله: (فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [ المائدة : 3 ]. فلما كان هذا أصلا من أصول الشريعة قد أنزله الله فى كتابه على رسوله ( صلى الله عليه وسلم )، وأخبره العباس أن الإذخر لا غنى بالناس عنه لقبورهم وبيوتهم وصاغتهم ، حكم النبي عليه السلام بحكم المباحات عند الضرورات" قال ابن بطال: "وهذا تأويل حسن"
وقد رد بعض العلماء على قول المهلب بكون الداعي إلى إباحة قطع الإذخر واستعماله لا يصل إلى حد الضرورة، وأن الإباحة للضرورة لا تكون إلا عند تحققها، وترتفع الإباحة بزوالها، بينما الإباحة النبوية للإذخر عامة دائمة غير مقيدة بشيء.
قلت: الظاهر أن المرعِيَّ المعتمد هنا هو ما استنبطه العلماء وعبروا عنه بقاعدة: "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة" ، فعموم الحاجة إلى نبات الإذخر، وتعدد وجوه استعماله عند أهل مكة وحَرَمها، قد نُزِّل منزلة الضرورة.

2. في سنن الترمذي: "باب ما جاء أن لا تقطع الأيدي في الغزو ... عن بسر بن أرطأة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تقطع الأيدي في الغزو". والحديث في سنن النسائي بلفظ: "لا تقطع الأيدي في السفر". قال الشيخ الألباني: صحيح.
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، منهم الأوزاعي: لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو، مخافة أن يَلحق من يقام عليه الحد بالعدو ، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام، أقام الحد على من أصابه. كذلك قال الأوزاعي"
3. صلح الحديبية الشهير، وقد بني جملة وتفصيلا على جلب المصالح ودرء المفاسد. وهو نموذج أوضح من أن يحتاج إلى توضيح...
4. قوله - عليه الصلاة والسلام - لرجلين طلبا منه تأميرهما :«إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه» ، فصار هذا الحديث أصلا عاما في بابه، وهو أن "طالب الولاية لا يولَّى". وهو مبني - كما لا يخفى - على درء المفاسد؛ مفاسد التعلق بالإمارة (السلطة) والتزاحم عليها، والتهافتِ على مكاسبها ومغانمها... فهذه هي الحكمة والمصلحة المرعية في كون"طالب الولاية لا يولَّى"
غير أن النبي نفسه - صلى الله عليه وسلم - كان له تدبير مختلف مع رئيس وفد قبيلة صُداء، زياد بنِ الحارث الصدائي الذي قال - ضمن ما حكاه من قصة إسلام قومه وقدومهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: "... وكنتُ سألتُه قبلُ أن يُؤَمِّرني على قومي، ويكتب لي بذلك كتابا، ففعل ..."
قال ابن القيم في فقه هذه الواقعة:"وفيها : جواز تأمير الإمام وتوليـتِه لمن سأله ذلك، إذا رآه كفئا. ولا يكون سؤاله مانعا من توليته. ولا يناقض هذا قولَه في الحديث الآخر : (إنا لن نولي على عملنا من أراده)؛ فإن الصدائي إنما سأله أن يؤمره على قومه خاصة، وكان مطاعا فيهم محببا إليهم، وكان مقصوده إصلاحَهم ودعاءهم إلى الإسلام، فرأى النبي صلى الله عليه و سلم أن مصلحة قومه في توليته فأجابه إليها، ورأى أن ذلك السائل إنما سأله الولاية لحظ نفسه ومصلحته هو فمنعه منها، فولَّى للمصلحة ومنع للمصلحة، فكانت توليتُه لله ومنعُه لله"












المبحث الثاني: منهج الاجتهاد المصلحي
الاجتهاد المصلحي ينظر في جميع الأدلة الشرعية ويبني عليها وفق القواعد الممهدة في هذا الباب، لكن مع رعاية المصلحة في كل ذلك. ثم إذا لم يجد مبتغاه في نصوص الشرع في بعض الوقائع والأحوال، فإن التقدير المصلحي يكون هو المستند والميزان. ولهذا فالاجتهاد المصلحي يعتبر أكملَ درجات الاجتهاد وأرشدها، وأصعبَها وأخطرها. وفيه قال الشاطبي رحمه الله "... وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة"
وفيما يلي أهم المعالم والمحددات المنهجية الضامنة لصحة هذا الاجتهاد وسلامته.
أولا: العلم بمقاصد الشريعة
لقد قرر عدد من العلماء أن المجتهد لا يكون مجتهدا حقا، ولا يتأتى له الاجتهاد المصلحي خاصة، حتى يكون على علم كبير بمقاصد الشريعة جملة وتفصيلا. قال الشاطبي: " إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:أحدهما: فَهْمُ مقاصد الشريعة على كمالها .والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها"
ومن هذا الباب ما نبه عليه القرافي من أن التمكن من مقاصد الشريعة وأسرارها، هو السبيل الوحيد لإبطال شبهات المبطلين والمشككين، حيث قال رحمه الله: " وأما القيام بدفع شُبَه المبطلين، فلا يتعرض له إلا من طالع علوم الشريعة وحفظ الكثير منها، وفهم مقاصدها وأحكامها، وأخذ ذلك عن أئمةٍ فاوَضَهُم فيها، وراجعهم في ألفاظها وأغراضها . "
وقد أكد أستاذنا العلامة عبد الله بن بية ضرورة المقاصد للمجتهد، وأنه لا يكون مجتهدا إلا بها، فذكر أن " أول استثمار لها ( أي للمقاصد) هو ترشيح المستثمر لها ، الذي هو المجتهد ، ليكون مجتهدا موصوفا بهذا الوصف، فلا بد من اتصافـه بـمعرفة المقاصد. "
وعلى هذا المنحى يرى ابن عاشور أن جميع مراتب الاجتهاد ومجالاته تتوقف على معرفة المقاصد وتحتاج إليها . ولا شك أن الاحتياج إليها فيما لا نص فيه أشد، لأنه أكثر اعتمادا على المصلحة والنظر المصلحي.
ثانيا: معرفة المصالح الشرعية بأنواعها ومراتبها
مفهوم المصالح الشرعية يكاد يكون مطابقا لمفهوم المقاصد الشرعية، فكل مصلحة شرعية هي مقصد شرعي، وكل مقصد شرعي منطوٍ على مصلحة شرعية أو مصالح. "فما أمر الله بشيء إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كلاهما. وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة أو كلاهما. وما أباح شيئا إلا وفيه مصلحة عاجلة"
لكن الذي أريده الآن هو ضرورة معرفة أنواع المصالح الشرعية ومراتبها قبل كل اجتهاد أو تقدير مصلحي.
فأنواع المصالح: منها ما هو دنيوي وما هو أخروي. ومنها ما هو حسي وما هو معنوي. ومنها ما هو فردي وما هو جماعي. ومنها ما هوخلقي وما هو بدني وما هو مالي. ومنها ما هو حاليٌّ عاجل وما هو مآليٌّ آجل. ومنها ما هو مصلحة مقصودة لذاتها وما هو وسيلة يراد بها غيرها...
ومراتب المصالح: منها ما هو ضروري وما هو حاجي وما هو تحسيني، ومنها ما هو أصلي قائم بذاته وما هو مكَـمِّل تابع لغيره. ومنها ما هو واجب وما هو مندوب وما هو مباح. ومنها ما هو قليل وما هو كثير. ومنها القاصر الذي ينحصر نفعه في صاحبه، ومنها المتعدي الذي يمتد نفعه إلى غيره.
فالمجتهد الذي يعرف ويستحضر أنواعا من المصالح، ويغيب عنه نوع أو أنواع منها، سيقع تلقائيا في الإهمال والإهدار لما غاب عنه أو جَهِله.
والذي يعرف أنواعَ المصالح ويستحضرها كلَّها، ولكنه لا يَقْـدُر لها أقدارَها ولا يقيم لها أوزانها، سيقع تلقائيا في الإخلال بمراتبها ومقاماتها، فيؤخر ما حقه التقديم، ويقدم ما حقه التأخير، ويعطي بعضها أكثر مما يستحقه، ويبخس بعضها ما يستحقه.
ومن أنواع المصالح التي يقع إغفالها أو بخسها عند كثير من المهتمين بالمصالح والمدافعين عنها، المصالحُ المعنوية والخلقية، حتى لكأنها عند بعضهم لا تدخل في مسمى المصلحة.
وقد نبه ابن تيمية رحمه الله على هذا الخلل في مواطن عديدةٍ من كتبه، كما في قوله: "وكثير من الناس يَقصُر نظرُه عن معرفة ما يحبه الله ورسولُه من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها، وما ينفعها من حقائق الإيمان، وما يضرها من الغفلة والشهوة، كما قال تعالى {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطا} وقال تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم}. فتجد كثيرا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن. وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى سياسة النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من العلم..."
ولا شك أن الإمام الأكبر الذي برع وتفنن في بيان أنواع المصالح الشرعية ومراتبها هو عز الدين بن عبد السلام رحمه الله. فكُتبه تكاد تغني عما قبلها وما بعدها في هذا الباب .
ومما قاله في ذلك: «الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما مقاصد والثاني وسائل. وكذلك المكروهات والمحرمات ضربان: أحدهما مقاصد والثاني وسائل. وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل. ثم تترتب الوسائل بترتب المصالح والمفاسد؛ فمن وفقه الله للوقوف على ترتيب المصالح، عرف فاضلها من مفضولها، ومُقَدَّمَها من مؤخَّرِها. وقد يختلف العلماء في بعض رتب المصالح، فيختلفون في تقديمها عند تعذر الجمع. وكذلك من وفقه الله لمعرفة رتب المفاسد، فإنه يدرأ أعظمها بأخفها عند تزاحمها ».
ثالثا: إعمال المصلحة في فهم النصوص وتنزيلها
وهذا المعنى شبيه جدا بما يسميه الأصوليون "التخصيص بالمصلحة"، و"التقييد بالمصلحة". وهو المسلك الذي اشتهرت نسبته إلى الإمام مالك وفقهاء مذهبه. قال ابن العربي: "فإن مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان، من ظاهر أو معنى. ويَستحسن مالك أن يخصَّ بالمصلحة، ويَستحسن أبو حنيفة أن يخصَّ بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس"
غير أن التخصيص - وكذلك التقييد - بالمصلحة وإن ظهر أن فيه اختلافا لدى الأصوليين، حتى قال الشوكاني رحمه الله "فمَنْ جَعَل المناسب صالحاً لتخصيص الأدلة أو تقييدها فذاك، ومن أبَى ووقف على مقتضاها كان في تمسكه وموافقته له أسعدَ من غيره" ، فالحقيقة أن العمل به في مواضعه ليس خاصا لا بمالك رحمه الله ولا بفقهاء مذهبه، بل هو معمول به في سائر المذاهب، على تفاوت بين المذاهب أحيانا، وبين أفراد الفقهاء في أحيان أخرى. والشأن هنا كمِثْله في العمل بالمصلحة المرسلة، يكثر نسبته إلى مالك والمالكية، وقد ثبت أنه في جميع المذاهب.
وهذا المسلك ليس تطاولا على النصوص الشرعية أو تفلتا من مقتضياتها، كما يظنه البعض، بل هو مسلك يمنع إحداث التصادم والتعارض بين نصوص الشرع ومصالح الشرع {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران : 7]، ويضمن لهما الوئام والانسجام على التمام والدوام.

وفيما يلي بعض الأمثلة للتخصيص والتقييد بالمصلحة، أو إعمال المصلحة في تفسير النصوص وتنزيلها.
• من ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن امرأة قالت: يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وثَديي له سِقاء، وحِجري له حِواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني. فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم (أنت أحق به ما لم تَنْكِحي)". قال الشيخ الألباني: حسن"
وهذا الحديث مقبول معمول به عند جماهير الفقهاء من كافة المذاهب المتبعة. قال الشوكاني رحمه الله "قوله : (أنت أحق به)، فيه دليل على أن الأم أولى بالولد من الأب ما لم يحصل مانع من ذلك كالنكاح، لتقييده صلى اللّه عليه وآله وسلم للأحقية بقوله: (ما لم تنكحي). وهو مجمع على ذلك، كما حكاه صاحب البحر. فإن حصل منها النكاح بطلت حضانتها. وبه قال مالك والشافعية والحنفية والعترة. وقد حكى ابن المنذر الإجماع عليه ...
وقد ذهب أبو حنيفة والهادوية إلى أن النكاح إذا كان بذي رحم محرم للمحضون لم يَبطل به حقُّ حضانتها... " . وهذا تخصيص بالمصلحة.
• وقريب من هذا - موضوعا ودلالة - ما رواه الدارمي وغيره أن امرأة أتت إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقالت: "إن زوجي يريد أن يذهب بولدي، فقال أبو هريرة: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد ان يذهب بولدي أو بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: اسْتَهِما أو قال تساهما، فجاء زوجها فقال: من يخاصمني في ولدي أو في ابني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت ... فأخذ بيد أمه فانطلقت به. قال حسين سليم أسد: إسناده صحيح"
فهذا الحديث أيضا قيده بعض العلماء بالمصلحة. قال الشوكاني:"واعلم أنه ينبغي قبل التخيير والاستهام ملاحظة ما فيه مصلحة للصبي، فإذا كان أحد الأبوين أصلحَ للصبي من الآخر قُدم عليه من غير قرعة ولا تخيير. هكذا قال ابن القيم، واستدل على ذلك بأدلة عامة نحو قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}، وزعم أن قول من قال بتقديم التخيير أو القرعة مقيد بهذا. وحكى عن شيخه ابن تيمية أنه قال: تنازع أبوان صبياً عند الحاكم فخيّر الولد بينهما فاختار أباه، فقالت أمه سَلْهُ لأي شيء يختاره، فسأله فقال: أمي تبعثني كل يوم للكاتب والفقيه يضرباني، وأبي يتركني ألعب مع الصبيان، فقضى به للأم. ورجح هذا ابنُ تيمية... "
ويضيف ابن القيم:"قال شيخنا: وإذا تَرك أحدُ الأبوين تعليم الصبي وأَمْرَه الذي أوجبه الله عليه فهو عاص ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له..."
• ومن هذا الباب أيضا ما ورد في الكتاب والسنة من تحريم الغيبة، وهي ذكر أحد بما يكره. وهذا لم يمنع العلماء من استثناء كل ما تقضيه المصلحة من التحريم.
قال العلامة محمد بن صالح العثيمين "يجب الكف عن ذكر الناس بما يكرهون، سواء كان ذلك فيهم، أو ليس فيهم ... لكن إذا كانت الغيبة للمصلحة فإنه لا بأس بها، ولا حرج فيها"

رابعا: ميزان الربح والخسارة
هناك بعض القضايا والحالات التي تتشكل في الواقع المعيش، تكون متعددة الجوانب والوجوه، متداخلة المصالح والمفاسد، مركبة لا ينفك بعضها عن بعض، تنطبق عليها في آن واحد أحكام وأدلة وقواعد شرعية متعددة. قد يُنظر إليها من جانب فيقال هي حرام، وينظر إلى جانبها الآخر، فيقال هي جائزة، وينظر إلى بعض آثارها ونتائجها، فيقال هي مندوبة أو واجبة أو فرض من فروض الكفاية... وهكذا كلما قـلـَّبتها من وجه ظهر لك حكم مختلف. وهذا النوع من القضايا يوجد أكثر ما يوجد في الشؤون الاجتماعية العامة، أو في التصرفات الفردية ذات الانعكاسات العامة المتعددة.
خذ مثلا في هذا العصرقضية الدخول الجماعي في الانتخابات، وقـلِّبها من كافة جوانبها ومحتوياتها:من أفكار ونظريات، ومقاصد وغايات، وأسباب ومقدمات، وأفعال وتصرفات، وأموال ونفقات، وخسائر ومكتسبات، وآثار ومآلات ...
فهذه قضية مركبة معقدة، ومن يَقبلها ويدخل فيها يدخل على كل هذه الجانب، بما لها وما عليها، وكذلك من يرفضها. ومن يستفتي بشأنها، ينبغي أن يجاب عنها برمتها وجملتها، من أولها إلى آخرها. ففي مثل هذه الحالة لا ينفع ولا يصح أن تأخذ منها جزءا أو أجزاء، فتُنَزل عليها آية أو حديثا أو قاعدة أو قياسا، ثم تقول: يحل أو يحرم، أو يجوز أو يجب، بل لا بد من الفحص التفصيلي والإجمالي، ولا بد من الإعمال المندمج لأدلة وقواعد شرعية عديدة، ومنها ميزان المصالح والمفاسد والأرباح والخسائر.
ومن هذا الباب تقلب الناس وسعيهم في مصالحهم ومعايشهم وأعمالهم المشروعة، لكن في ظروف وأحوال ومجتمعات مليئة بالمنكرات والمحظورات الشرعية، بحيث لا يكاد أحد يَسْلَمُ منها، بحيث قد يجد الشخص نفسه - في آن واحد - ساعيا في عبادة من العبادات أو واجب من الواجبات أو عمل من المباحات، واقعا في شيئ من المحرمات والمكروهات. فإذا أصبح هذا الوضع شائعا كثير الوقوع، هل يقال للناس اتركوا تلك الأعمال المشروعة، طلبا للسلامة، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؟
قال الشاطبي:"القواعد المشروعة بالأصل إذا داخلتها المناكر كالبيع والشراء والمخالطة والمساكنة، إذا كثر الفساد في الأرض واشتهرت المناكر بحيث صار المكلف عند أخذه في حاجاته وتصرفه في أحواله لا يسلم في الغالب من لقاء المنكر أو ملابسته، فالظاهر يقتضي الكف عن كل ما يؤديه إلى هذا ولكن الحق يقتضي أن لا بد له من اقتضاء حاجاته، كانت مطلوبة بالجزء أو بالكل. وهي إما مطلوب بالأصل وإما خادم للمطلوب بالأصل، لأنه إن فرض الكف عن ذلك أدى إلى التضييق والحرج أو تكليف ما لا يطاق، وذلك مرفوع عن هذه الأمة فلا بد للإنسان من ذلك، لكن مع الكف عما يستطاع الكف عنه، وما سواه فمعفو عنه لأنه بحكم التبعية لا بحكم الأصل"
ومن الأمثلة التطبيقية لهذه الحالات المختلطة المتلبسة، هذا النموذج من فتاوى ابن تيمية:
"سئل الشيخ قدس الله روحه عن رجل متولٍّ ولاياتٍ ومُقْطَعٍ إقطاعات، وعليها من الكُـلَف السلطانية ما جرت به العادة، وهو يختار أن يُسقط الظلم كله ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنه إن ترك ذلك وأُقطِعَها غيرُه ووُلَّيَ غيرُه فإن الظلم لا يُترك منه شيء، بل ربما يزداد، وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه فيسقط النصفَ، والنصفُ الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه، فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها، وهو عاجز عن ذلك لا يمكنه ردها، فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعِه، وقد عُرفت نيته وإجتهاده وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه؟ أم عليه أن يرفع يده عن هذه الولاية والإقطاع؟ وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم، بل يبقى ويزداد؟ فهل يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذُكر؟ وهل عليه إثم في هذا الفعل أم لا؟ وإذا لم يكن عليه إثم فهل يطالب على ذلك أم لا؟ وأيُّ الأمرين خير له: أن يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله، أم رفع يده مع بقاء الظلم وزيادة؟ وإذا كانت الرعية تختار بقاء يده لما لها في ذلك من المنفعة به ورفعِ ما رفعه من الظلم، فهلِ الأَوْلى له أن يوافق الرعية أم يرفع يده والرعية تكره ذلك، لعلمها أن الظلم يبقى ويزداد برفع يده ؟
فأجاب: الحمد لله. نعم إذا كان مجتهدا فى العدل ورفعِ الظلم بحسب إمكانه، وولايتُه خير وأصلحُ للمسلمين من ولاية غيره، وإستيلاؤه على الإقطاع خير من إستيلاء غيره كما قد ذُكر، فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه، إذا لم يشتغل - إذا تركه - بما هو أفضل منه.
وقد يكون ذلك عليه واجبا إذا لم يقم به غيرُه قادرا عليه، فنشرُ العدل بحسب الإمكان، ورفعُ الظلم بحسب الإمكان، فرض على الكفاية يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك، إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يطالب والحالة هذه بما يعجز عنه من رفع الظلم...
والـمُقْطَع الذى يفعل هذ الخير ويرفع عن المسلمين ما أمكنه من الظلم ويدفع شر الشرين بأخذ بعض ما يُطلب منه فيما لا يمكنه رفعه، هو محسن إلى المسلمين غير ظالم لهم، يثاب ولا إثم عليه فيما يأخذه على ما ذكره، ولا ضمان عليه فيما أخذه، ولا إثم عليه فى الدنيا والآخرة، إذا كان مجتهدا فى العدل والإحسان بحسب الإمكان.
وهذا كوصي اليتيم وناظر الوقف والعاملِ فى المضاربة والشريكِ وغيرِ هؤلاء ممن يتصرف لغيره بحكم الولاية أو الوكالة، إذا كان لا يمكنه فعل مصلحتهم إلا بأداء بعضٍ من أموالهم للقاهر الظالم، فإنه محسن في ذلك غير مسيء...
والذى يَنهى عن ذلك لئلا يقع ظلم قليل، لو قَبل الناسُ منه، تَضَاعَف الظلم والفساد عليهم، فهو بمنزلة من كانوا في طريقٍ وخرج عليهم قُطَّاع الطريق، فإن لم يُرضوهم ببعض المال أخذوا أموالهم وقتلوهم. فمن قال لتلك القافلة: لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيئا من الأموال التي معكم للناس، فإنه يقصد بهذا حفظ ذلك القليل الذى ينهى عن دفعه، ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل والكثير، وقتلوا مع ذلك. فهذا مما لا يشير به عاقل، فضلا أن تأتي به الشرائع. فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان..."
أمثلة معاصرة
ومن التطبيقات الشبيهة بما سبق: أن بعض المسؤولين والموظفين، تسند إليهم وظائف وتكاليف تكون مشتملة على محرمات إما في أصلها، أو يدخل الحرام والفساد في بعض صورها ولوازمها. فمن تولاها وهو كاره لها ولما فيها من فساد، ولكنه قبلها ليقوم بما هو مستطاع من تقليص مستمر لفسادها وضررها، مما لا يفعله غيره ممن يُبقُون الأمرَ على ما هو عليه، أو يزيدونه فسادا على فساد، فهذا يعتبر مصلحا ومحسنا، وهو مأجور على عمله في تقليل الحرام والفساد والظلم والضرر، معذور فيما يقع تحت يده أو يسكت عنه من فساد لا يقصده ولا يرضاه، ولكنه لا يملك تغييره.
فعلى سبيل المثال: العمل في الإدارات الحكومية التي تمنح رخص بيع الخمر أو إنتاجِه أو استيراده، أو تتولى المراقبة القانونية للنشاط الصناعي والتجاري في هذا المجال. ومثلها الإدارات المكلفة والمشرفة على إنتاج التبغ (الدخان) وبيعه. وكذلك الإدارات المكلفة بالإشراف على فتح الفنادق وتسييرها، وكثيرٌ منها يكون ميدانا لرواج الخمور والمخدرات، وغيرها من المحرمات.
فهذه الأمور وأمثالها عادة ما تكون لها شروط وضوابط ومراقبة قانونية، تترتب على مخالفتها عقوبات قد تصل إلى المنع والإغلاق والسجن...
فمن تساهل وتغاضى في ذلك مع أصحابها - لأي سبب أو دافع - فإنه إنما يُسَهِّل ويشجع توسيع دائرة الحرام والفساد، وهو بذلك شريك لهم.
ومن ضيق الخناق في الترخيص لهم، وتشدد في مراقبتهم ومحاسبتهم وإلزامهم بكل الشروط والضوابط والتبعات والعقوبات المتعلقة بهم، ونجح بذلك في تضييق دائرة الحرام والفساد، فإن عمله على هذا النحو يصبح جائزا أو مطلوبا ومأجورا عليه. وهو لا يحاسب على ما لا يرضاه ولا يدَ له في إيجاده وبقائه، ولا سبيل له إلى منعه وإزالته، بل يجازى ويؤجر على ما نجح في تقليصه وتقليله.
ومن هذا الباب أيضا، قبول تولي إدارة مؤسسة إعلامية - كإذاعة أو قناة تلفزيونية - فيها كثير من الفساد والمخالفة للشرع، لكن بغية تكثير صلاحها ونفعها وتقليل فسادها وضررها، على أن يحصل هذا بالفعل، لا أن يكون مجرد أمنية ونية.
ولا شك أن هذا المسلك خطر وحرج، لا ينبغي لكل أحد أن يغامر بولوجه، كما لا تجوز الفتوى لكل أحد بجوازه، وإنما يلجه صاحب العزيمة والشكيمة، الذي {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر : 9]، على أن يكون واثقا من إمكانية تحقيق الإصلاح المتوخى، وأن يكون على تمام القدرة والاستعداد للانسحاب إذا تعذر ذلك في ظرف من الظروف.
ومن الأمثلة الكبيرة والبارزة في هذا الباب، نموذج حزب العدالة والتنمية في تركيا، الذي يوصف بأنه إسلامي، أو ذو خلفية إسلامية ... فحكومة هذا الحزب تنخرط في نظام علماني لاديني، بدستوره وقوانينه وسياساته الداخلية والخارجية وارتباطاته الدولية. وهي تعلن التزامها بذلك، وتلتزم به فعلا، وخاصة بالطبيعة العلمانية اللادينية للنظام. ولكنها تعمل بنجاح على ترويض هذا النظام ومؤسساته، وتعديل ما يمكن تعديله من قوانينه وسياساته، بما يقلل من شروره ومفاسده، ولو بتدرج بطيئ. وهذا بالإضافة إلى ما تقوم به وتحققه من إنجازات ومكاسب كبيرة في المجالات الاقتصادية والتنموية والسياسية، الداخلية والخارجية.
فعلى سبيل المثال، نجد هذه الحكومة ملتزمة بالاعتراف بما يسمى (دولة إسرائيل) - وهو لا شك منكر وزور- ، وملتزمة باستمرار جميع علاقاتها، الدبلوماسية والعسكرية والتجارية والسياحية...، مع هذا الكيان الغاصب الظالم. وهذا كله وضعٌ موروث ليس لحكومة حزب العدالة والتنمية يد فيه، ولكن الذي فعلته هو أنها نقلت العلاقات التركية الإسرائيلية، مما كانت عليه من الانسجام والوئام والالتزام التام بالمصالح والمواقف والمطالب الإسرائيلية، إلى حالة توتر علني وتراجع متواصل، بل نقلتها إلى أشكال من الصراع الظاهر والخفي، المباشر وغير المباشر، وهو ما فتح الطريق لتحول عميق وسريع في مواقف الشعب التركي ومزاجه العام، الذي أصبح أكثر إحساسا بالوحدة والأخوة الإسلامية، أكثر تأييدا ومناصرة للقضية الفلسطينية، وأكثر رفضا ومناهضة لإسرائيل. وهذا ربح تاريخي للشعب التركي وللقضية الفلسطينية.

****
قائمة المصادر والمراجع حسب ورودها في البحث

1. التحرير والتنوير - نشر دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس - 1997
2. مفاتيح الغيب للفخر الرازي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1421هـ - 2000 م - الطبعة الأولى
3. اللباب في علوم الكتاب لابن عادل الدمشقي - من موقع التفسير : http://www.altafsir.com
4. محاسن الشريعة لأبي بكر القفال الشاشي، المعروف بالقفال الكبير حقق جزءا منه الدكتور كمال الحاج غلتول العروسي، وتقدم به لنيل الدكتوراه في الفقه من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، سنة1412/1992
5. . محاسن الشريعة لأبي بكر القفال الشاشي، المعروف بالقفال الكبير - دار الكتب العلمية ببيروت سنة 2007
6. شرح النووي على مسلم
7. صحيح البخاري
8. تأويل مختلف الحديث - لابن قتيبة الدينوري 1 / 196- 198 - دار الجيل - بيروت ، 1393 – 1972- تحقيق : محمد زهري النجار
9. شرح صحيح البخارى ـ لابي الحسن بن بطال القرطبي - (4 / 504) - الطبعة الثانية - تحقيق : أبو تميم ياسر بن إبراهيم - دار النشر : مكتبة الرشد - السعودية / الرياض - 1423هـ - 2003م
10. نهاية المطلب في دراية المذهب للجويني، تحقيق عبد العظيم الديب
11. البرهان للجويني، تحقيق عبد العظيم الديب
12. الغياثي للجويني، تحقيق عبد العظيم الديب
13. الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي 2 / 290 - تحقيق : د . محمد كمال الدين علي – نشر عالم الكتب - بيروت - 1417هـ الطبعة الأولى -
14. زاد المعاد لابن القيم 3/664 - مؤسسة الرسالة، بيروت - الطبعة الثالثة - 1406هـ/1986م
15. الذخيرة للقرافي – الطبعة الأولى – دار الغرب الإسلامي ببيروت.
16. علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه لعبد الله بن بية – الطبعة الأولى – نشر مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية
17. مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور – تحقيق محمد الطاهر الميساوي
18. الفوائد في اختصار المقاصد لعز الدين بن عبد السلام - تحقيق إياد خالد الطباع - الناشر دار الفكر المعاصر , دار الفكر دمشق – 1416
19. الفتاوى الكبرى - تحقيق محمد عبدالقادر عطا ومصطفى عبدالقادر عطا - نشر دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى 1408هـ - 1987م
20. قواعد الأحكام في مصالح الأنام
21. الموافقات للشاطبي- بتحقيق : عبد الله دراز - دار المعرفة ببيروت
22. أحكام القرآن لابن العربي
23. نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار لمحمد بن علي الشوكاني 12 / 196- مكتبة الدعوة الإسلامية شباب الأزهر
24. سنن أبي داود - طبعة دار الفكر بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد
25. سنن الدارمي - دار الكتاب العربي – بيروت - الطبعة الأولى ، 1407 - تحقيق : فواز أحمد زمرلي , خالد السبع العلمي - الأحاديث مذيلة بأحكام حسين سليم أسد عليها
26. زاد المعاد لابن القيم - تحقيق : شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط - مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت – الكويت - الطبعة الرابعة عشر ة، 1407 – 1986
27. تفسير القرآن للعثيمين - (7 / 35) - موقع الشيخ:http://www.ibnothaimeen.com/index.shtml
28. مجموع الفتاوى لابن تيمية- تحقيق أنور الباز - عامر الجزار - دار الوفاء الطبعةالثالثة ، 1426 هـ / 2005 م



بحث مقدم لندوة
(نحو منهج علمي أصيل لدراسة القضايا الفقهية المعاصرة)
التي نظمها مركز التميز بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
بالرياض يومي 13-14/5/1431هـ ، الموافق 27- 28/4/2010م

| | |
   




   
   
     Réaliser par Widesoft Systems