|
|
الإسلام والفكر الإسلامي ..
مما لاشك فيه أن الإسلام ـ بكل ما ينبثق منه من فكر وثقافة وممارسة ـ قد سجل حضورا فاعلا وتأثيرا قويا في هذا العصر، وخاصة خلال العقود الأربعة الأخيرة ( 1967/2007 ). وهو ما فرض على جميع الأطراف السياسية والفكرية والإعلامية ، أن تخصص حيزا متزايدا للإسلام ولكل ما ينبثق عنه من أفكار ومواقف ،وما يجري باسمه من أفعال وردود أفعال . وهكذا أصبح الإسلام والإسلاميون ، والفكر الإسلامي والتراث الإسلامي ، موضوع أبحاث ودراسات وتقارير ، لمختلف أصناف المهتمين ؛ من سياسيين وعسكريين وأمنيين وأكاديميين وإعلاميين ...حتى لقد أصبح الاهتمام بالإسلام وحركته ، ضرورةً مهنية ، بل تخصصا مهنيا لدى الكثيرين . وهكذا ـ فجأة ـ بدأنا نقرأ ونشاهد مثل هذه الصفات ، لبعض المثقفين والصحفيين والسياسيين : خبير في القضايا الإسلامية ، باحث في الحركات الإسلامية ، مستشار في الشؤون الدينية ، مستشار في التنظيمات الإسلامية ، باحث في الفكر الإسلامي ، مفكر إسلامي ، خبير في قضايا الإرهاب ... لقد ظهر جيش من " الإسلامولوجيين" ، من العرب والعجم ، ومن الشرق والغرب . كما ظهرت مؤسسات ومراكز ومختبرات ، مخصصة لرصد الظاهرة الإسلامية وتحليل ما يصدر عنها وكشف "خفاياها وخلفياتها"... وكل هذا يضاف إلى ما تعرفه الساحة الإسلامية نفسها ، من تعدد وتنوع في تياراتها وتوجهاتها ومدارسها الفكرية ، عدا الأفراد ، من دعاة ومفتين ومنظرين ... هذا الواقع المشار إليه ، يلزمني ـ قبل الانطلاق في هذه الحلقات عن الإسلام والفكر الإسلامي وقضايا العصر ـ أن أتوقف قليلا للتوضيح والتذكير ببعض الأوليات والمنطلقات والمصطلحات . الإسلام والفكر الإسلامي ؟ ـ أعني بالإسلام أولا : القرآن الكريم . ـ وثانيا: ماصح من السنة النبوية . فكل سنة نبوية اتفق أهل الاختصاص على صحة ثبوتها ، فهي إسلام ، وهي من الإسلام .وكل ما اختلفوا في تصحيحه ، فهو في محل النظر والاجتهاد ، ولا يلزم إلا القائلين بصحته ، ومن اطمأنوا إلى تصحيحهم. ـ وأعني بالإسلام : ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة الصحيحة ، من المعاني والأحكام ، ومن المقاصد والقواعد ، دلالة صريحة واضحة . وفي مقدمة ذلك ما وقع عليه الإجماع ، ثم ما اتفقت علي المذاهب الإسلامية المتبَعة ، واستقر عندها على مر العصور. وما سوى هذا مما فيه اختلاف وأخذ ورد ، فهي اجتهادات وآراء وترجيحات ، تقدر وتحترم بقدر حجتها ووجاهتها ، ولكنها تخضع للمراجعة والتمحيص ، ويؤخذ منها ويرد ، أياً كان أصحابها ، وأياً كان مقامهم وعددهم . الفكر الإسلامي ؟ وأما الفكر الإسلامي ، فأعني به كل الاجتهادات والإنتاجات والإبداعات الفكرية ، التي تلتزم بالإسلام مصدرا ومرجعا أساسيا لها. ـ ويكون الإسلام مصدرا ، حين يكون الاجتهاد الفكري متعلقا بالاستمداد المباشر من الإسلام ، واستنطاق نصوصه ومبادئه ، واستخراج حلوله وإجاباته ، وتركيب منظوماته ونظرياته ، بحسب ما يراه العالم المفكر. ـ ويكون الإسلام مرجعا ، حين يجتهد الباحث والمفكر، معتمدا على تخصصه وفكره ونظره ، مستعينا بكل الأدوات والمعطيات العلمية المتاحة له . لكنه يفعل ذلك كله في ضوء الإسلام ومقاصده وقواعده وثوابته، فيقبل ما توافق معها ، وما لم يتعارض معها ، ويرد ما سوى ذلك فالفكر الإسلامي إذاً ، هو جهد بشري وفكر بشري من جهة ، ولكنه يمتاز بكونه إسلامي الاستمداد والإطار، من جهة أخرى . فهو أيضا يؤخذ به ويعتمد عليه ، على قدر حجته وقوته وفائدته ، وعلى قدر تطابقه وتوافقه مع أدلة الشرع ، ويُرَد منه بقدر ما يكون على خلاف ذلك . وكما قال الإمام مالك رحمه الله : كل واحد يؤخذ من كلامه ويُرَد ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي جميع الأحوال ، فإن الفكر الإسلامي يمثل إثراء للثقافة الإسلامية وللحياة الإسلامية ، ويمثل مدخلا ومعبرا لا غنى عنه لكل دارس للإسلام ولكل متفقه فيه .فضلا عن كونه إثراء للفكر البشري عموما. وعلى العموم ، فما يسمى ( العلوم الإسلامية) أو ( العلوم الشرعية ) ، من تفاسير ، وشروح للحديث النبوي ، وفقه ، وأصول فقه ، وفكر صوفي ، وفكر فلسفي ، ودراسات إسلامية تربوية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ...يدخل معظم ما فيه تحت مسمى الفكر الإسلامي . ولا نستطيع أن نجزم بشيئ منه على أنه إسلام ، أو أنه شريعة إسلامية ، إلا ما دلت عليه نصوص الشرع وأصوله ، بشكل واضح لا نزاع فيه بين جمهور العلماء. |
| |
|