8/26/2010
        
   
البحث في الموقع

  
  
 
 
 المهرجانات والتراويح .. من المدنس إلى المقدس

 الدكتور أحمد الريسوني لـشبكة إسلام أون لاين": الاتجار في التمور الإسرائيلية حرام

 الأستاذ أحمد الريسوني..رئيسا لرابطة علماء أهل السنة

 
 الدين والسياسة

بقلم الأستاذ أحمد الريسوني:
ما علاقة الدين بالفلسفة؟
ما علاقة الدين بالعلم؟
ما علاقة الدين بالسياسة؟
ما علاقة الدين بالدنيا؟
هذه الأسئلة وغيرها ، أسئلة قديمة جديدة .
ـ كثيرون يريدون أن يدخلوا في الدين كل شيئ في الدين وأن يستخرجوا منه كل شيئ . حتى قال بعضهم : " لقد أحصى القرآن كل شيئ ، فلا حاجة بنا لأية معارف أخرى؛ لأن هذه المعارف الأخرى : إما أن تكون مؤيدة لما في القرآن ، فهي إذن فضول ، وإما أن تكون معارضة له ، فهي إذن ضلال."
ـ وكثيرون آخرون يريدون إخراج الدين من كل شيئ ، وإفراغه من كل شيئ، حتى يصبح الدين نفسه مجرد مبحث تذكاري في بعض العلوم ، كالفلسفة أو التاريخ أو علم الاجتماع ...
وقديما كتب ابن رشد(الحفيد) رسالته الشهيرة ( فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ). وقد بين أن لكل من الفلسفة والشريعة خصوصيات منهجية ووظيفية، ولكنهما تتلاقيان وتتداخلان ، وأن الفلسفة ـ في أصلها ـ لا تناقض الشريعة بل تؤيدها وتخدمها، وأن الشريعة لاتمنع الفلسفة ، بل تأمر بها من تأهل لها.
والحقيقة أن أبا الوليد بن رشد ، بشخصه وحياته ، هو الجواب الكامل عن كل هذه الأسئلة : لقد كان فيلسوفا عقلانيا، وكان طبيبا حكيما، وكان فقيها قاضيا . وقد تمازجت وتعايشت في فكره وحياته كل هذه الاختصاصات. ولم ينفجر عقله ولا اضطربت حياته! بل قيل عنه : "كان يُفزع إلى فتواه في الطب ، كما يُفزع إلى فتواه في الفقه"
لقد كان ابن رشد فقيها في الطب والفلسفة ، طبيبا في الفقه والسياسة.وكثير من علماء الإسلام يشبهون الشرع بالطب ، كما في قول الشاطبي:" فإن الشارع هو الطبيب الأعظم"
فعلاقة الدين بالسياسة ، هي كعلاقة الطب بالإنسان . فهي علاقة تطبيب وعلاج وقاية، وليست ـ وما ينبغي أن تكون ـ علاقة تنافس وصراع.
لقد كان الأنبياء هم فضلاء السياسيين وأوائل السياسيين ، والشرائع المنزلة هي أعظم السياسات وأرقاها في تاريخ البشرية قاطبة . يقول الإمام أبوبكر الشاشي في مقدمة كتابه الرائد ( محاسن الشريعة) ، إنه ألف هذا الكتاب " للدلالة على محاسن الشريعة ودخولها في السياسة الفاضلة السمحة ولصوقها بالعقول السليمة."
ويمكن لقائل أن يقول: إن "السياسة الفاضلة" المقصودة في هذا الكلام، هي غير السياسة التي نعنيها ونتعامل بها اليوم . وأقول : من هنا بدأت المشكلة، ومن هنا تضاعف احتياج السياسة والسياسيين إلى الشرع وسياسته وإلى الأنبياء وسياستهم .لقد اعتاد كثيرمن الناس ، واعتاد السياسيون خاصة ، أن يعتقدوا ويصرحوا بأن السياسة لا تحتمل الأخلاق والضوابط الخلقية والعقائدية.وهل للسياسة وأهلها من داء عضال سوى فقدان الحوافز الخلقية، ونبذ الضوابط الخلقية؟ وهل لهذا الداء دواء أنجع من "الطب الشرعي" ، الذي يعالج القلوب والعقول والنفوس؟
يقول الإمام الغزالي:" والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة ، على أربع مراتب : الأولى وهي العليا ، سياسة الأنبياء عليهم السلام"
إن السياسة التي بُعث بها الأنبياء ، هي أساسا سياسة تربيوية ، وسياسة تثقيفية ، وسياسة اجتماعية . واليوم أيضا تتحدث الحكومات والأحزاب السياسية ، عن السياسة التعليمية والتربوية ، وعن السياسة الاجتماعية ، وعن السياسة الثقافية ، وعن السياسة الإعلامية ، وحتى عن السياسة الدينية. ويتحدثون عن محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة ...، فهل هناك من فرق جوهري؟
وحتى السياسة الممثلة في رئاسة الدول وحكم الشعوب ، لم تكن خارجة عن رسالة الأنبياء وسياستهم وجهودهم الإصلاحية.ولقد كانت المشكلة الدائمة التي تواجه الرسل ودعواتهم ، هي"الملأ" ، أي الرؤساء والزعماء والسياسيون. وإذا أردنا أن تعريفا للقضايا السياسية ، نستطيع أن نقول :كل قضية يكون الزعماء والسياسيون طرفا فيها ، فهي قضية سياسية . وإذاً ، فحيثما وجدنا الزعماء والسياسيين يتصدون للأنبياء ، فمعناه أن القضية سياسية أو ذات أبعاد سياسية.فكيف إذا كان التصدي متبادلا ، أي من الطرفين معاً؟
مثال ذلك : لقد تصدى موسى لفرعون ، وتصدى فرعون لموسى، وتواجهت السياسة النبوية مع السياسة الفرعونية...فهل يشك أحد في أن موسى كان يؤدي عملا سياسيا ، وأنه كان يواجه تحديا سياسيا ؟
بل حينما نقرأ الآيات المتعلقة ببعثة موسى عليه الصلاة والسلام، نُـحس وكأن موسى لم تكن له إلا رسالة سياسية ، أوكأنه لم يُـبعث إلا لفرعون وبعض أصحابه المقربين ، من هذه الآيات نقرأ :
• ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف/103]
• وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [غافر/23-24]
• اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه/24]
• اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه/43]
• إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا  [المزمل/15]
ولم يكن موسى حالة استثنائية في عمله السياسي، فكل الأنبياء كانوا سياسيين بدرجة أو بأخرى. وسليمان النبي عليه السلام ، كان رجل دولة لا مثيل له. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون"
وأما خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ، فقد مارس السياسة ، بكل ما للكلمة من معان ومضامين : من سياسة الدعوة والتربية، إلى سياسة التنظيم والتخطيط، إلى سياسة التدريب والتنفيذ، إلى تأسيس الدولة وتسييرها، إلى قيادة مجتمع وتدبير شؤونه ، إلى شؤون الحرب والسلم...
وما أظن أحدا يطالبني بدليل أو مثال على هذا كله، فالمسألة أظهر وأشهر من أن تحتاج إلى شيئ من ذلك ، فلا أطيل فيما لا حاجة إليه.ثم إن التشريعات الإسلامية ، في القرآن والسنة والفقه الإسلامي، لم تترك مجالا سياسيا إلا ولها فيه أحكام تفصيلية ، أو قواعد كلية.
فكيف أصبح كثير من مثقفينا وساستنا اليوم ، ينكرون أو يستنكرون الارتباط بين الدين والسياسة ، حتى كان أحد الرؤساء العرب دائم القول والصراخ : لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ؟!
في القرون الأخيرة ، احتدم النقاش ، بل احتدمت المعركة ، حول علاقة الدين بالسياسة.كان ذلك في أوروبا أولاً، ولفترة زمنية طويلة ، قبل أن يتم استنبات هذا النقاش وهذه المعركة في عالمنا الإسلامي.فما الذي حصل؟
في أوروبا وعموم الدول الغربية ، تم فصل الدين عن السياسة إلى حد كبير ، وبقي ما بقي . وقد استتب هذا الوضع وأصبح مقبولا ومرضيا في الثقافة الغربية ، على تفاوت في ذلك . ثم بدأ نوع من التراجع والمراجعة في السنين الأخيرة ، لفائدة إعادة الاعتبار للدين في الحياة السياسية . ولعل آخر مظهر لهذا التوجه الجديد، هو النقاشات التي دارت في أوروبا حول صياغة الدستور الموحد للاتحاد الأوروبي وموقع الانتماء المسيحي فيه، وكذا رفض كثير من الأوروبيين انضمام تركيا إليهم لكونها مسلمة وهم مسيحيون، مما جعل كثيرا من المعلقين يصفون الاتحاد الأوروبي بالنادي المسيحي.
أما في العالم الإسلامي، فإن محولات فصل الدين عن السياسة عموما ، وعن الدولة خصوصا ، قد عرفت ـ وما زالت ـ معارك طاحنة من جميع الأصناف. معارك طرفاها : الدول الغربية وأتباعها المحليون من جهة ، والشعوب والنخب الإسلامية من جهة أخرى.
وعموما ، فإن جميع الخطوات والإنجازات التي نفذت في هذا الاتجاه ، كانت عبارة عن عمليات جراحية أليمة وغير ناجحة.كانت أُولى التجارب في العالم في العالم الإسلامي ، هي التجربة الانقلابية الدموية التي قادها كمال أتاتورك في تركيا ، باحتضان أوروبي تام ومستمر ، منذ ثمانين سنة وإلى الآن . ومع ذلك هل نجحت؟ هل استقرت؟ الجواب يعرفه الجميع من خلال الحراسة العسكرية المشددة الشرسة ، التي لا تنزع أصابعها عن الزناد!! وهذا هو حال كل التجارب التي نفذت في العالم الإسلامي، مع فوارق جزئية أوشكلية ، من قطر لآخر، ومن وقت لآخر.
وإذا استثنينا النجاح الغربي النسبي ، لفصل الدين عن السياسة، وهو نجاح مستحق ومفيد ، فإن التاريخ عموما ، وتاريخ العالم الإسلامي خصوصا، يشهد ويعيد، أن هناك ترابطا لا فكاك منه بين الدين والسياسة . فلماذا لا نفعل مثلما فعل ابن رشد ، فنقوم ( بتقرير ما بين الشريعة والسياسة من الاتصال)؟
فلنضعْ كل شيء في موضعه، ولـنُـعْط لكل شيئ حقه، ولنستفد من كل طرف ما عنده . أليست هذه هي الحكمة؟ أليس هذا ـ يامعشر الإخوة العلمانيين ـ أفضل وأفيد وأريح لأمتنا، من هذا الصراع الطويل لاستبعاد الدين عن الدولة وعن السياسة؟ وهو على كل حال هدف لن يتحقق.
وإذا لم يعجبكم نهج ابن رشد (نهج العقل والحكمة) ، فخذوا بالنهج الديموقراطي، ودافعوا عن حق شعوبكم في الاختيار، حتى لو ظهر أنها تختار الشريعة ، وتختار الجمع بين الدين والسياسة.
بقي أن أقول مع الكثيرين : إن تدخل الدين في السياسة له محاذير ومزالق مخوفة.ولذلك تثار حوله تحفظات واعتراضات معتبرة . وهذا هو موضوع الحلقة المقبلة بعون الله تعالى.










| | |
   




   
   
     Réaliser par Widesoft Systems