8/26/2010
        
   
البحث في الموقع

  
  
 
 
 المهرجانات والتراويح .. من المدنس إلى المقدس

 الدكتور أحمد الريسوني لـشبكة إسلام أون لاين": الاتجار في التمور الإسرائيلية حرام

 الأستاذ أحمد الريسوني..رئيسا لرابطة علماء أهل السنة

 
         مقالات
 مفهوم الشريعة قبل تطبيق الشريعة

جدل كثير وصراع مرير، يدوران اليوم في عموم الدول والمجتمعات الإسلامية ، حول قضية الشريعة وتطبيق الشريعة . والقضية في جزء منها تعود إلى ما تعيشه النخب الثقافية والسياسية من انقسام إلى تيارين كبيرين ، يتجاذبان الساحة الثقافية والسياسية ، يمكن وصفهما بالتيار الديني ، والتيار المدني(أو ما يعرف بالتيار العلماني الحداثي) . ولكن جزءا من هذا الصراع يرجع إلى الالتباس الحاصل في مفهوم الشريعة وتطبيق الشريعة.
وسواء عند المتبنين لتطبيق الشريعة المدافعين عنه ، أو عند المناوئين لهذا الهدف الخائفين منه ، فإن هناك مفاهيم وتصورات قاصرة أو مشوهة لمفهوم الشريعة ولتطبيق الشريعة . وهو ما تترتب عنه مشاكل وصراعات عدة ، يمكن تلافيها أو تقليصها بالمعرفة الصحيحة للشريعة ومضامينها.
فبسبب هذا الالتباس، نجد عددا من الناس تصوروا الشريعة وتطبيق الشريعة على طريقتهم ، فقالوا بناء على ذلك : إن الشريعة لم تطبق إلا في العهد النبوي ، ونسبيا في عهد الخلفاء الراشدين . وهذا معناه ـ في نظرهم ـ أن هذه الشريعة غير قابلة للتطبيق في هذا الزمان ، لمثاليتها ، أو لقصورها ، أو لغير ذلك من الأسباب . المهم أن تطبيقها توقف في وقت مبكر ، ولم يصمد أمام التطورات والتغيرات إلا زمنا يسيرا. فكيف يراد تطبيقها اليوم ، بعد أربعة عشر قرنا من توقف تطبيقها ؟!
وبسببه أيضا ، رأى آخرون أن الشريعة تتسم بالبدائية والتخلف والهمجية ، فكرهوها وكرهوا من يريد إحياءها ؛ فهي ـ فيما سمعوا وفهموا ـ عبارة عن قصاص وحدود ، وسيوف ودماء . فالعودة إلى الشريعة عودة إلى الوحشية والهمجية ، ونحن في زمن الحضارة والحداثة وحقوق الإنسان !
وبسبب ذلك أيضا ، ظهر لبعض المتدينين والدعاة ، أن جميع الحكومات والمجتمعات ـ الإسلامية "سابقا" ـ قد نبذت اليوم شريعة الله وعطلتها وتنكرت لها ، وقد غلا بعضهم فتحدثوا عن ردة واسعة ، قد عمت معظم البلدان الإسلامية ، شعوبا وحكومات . ومن هنا ارتفعت درجة الكراهية والغليان ... وهو ما نجمت عنه إلزامات وتداعيات وردود فعل خطيرة ، ما زلنا نعيش آثارها.
لذلك ـ وقبل الحديث عن قضية الشريعة وتطبيق الشريعة اليوم ـ لا بد من الحديث عن معنى الشريعة ومفهوم السريعة.

مفهوم الشريعة من بدايته
ذكرت في حلقة سابقة ، أننا نحتاج ـ في كثير من القضايا والمفاهيم الأساسية ـ أن نرجع إلى الوراء ، وأن نرجع إلى البدايات ...، فلنرجع الآن إلى البداية أيضا.
مادة " ش ر ع " ـ ومنها الشريعة والشرعة والشرع ـ في القرآن الكريم يشمل معناها كل ما أنزله الله لعباده ، من معتقدات ، وعبادات ، وأخلاق ، وآداب ، وأحكام عادات ومعاملات . وتأتي العقائد والعبادات في طليعة ما شرعه الله وجعله شريعة للعباد، كما هو واضح في قوله تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى/13]
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى/21]
"وعن السديّ، في قوله:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ) قال: هو الدين كله"
أما لفظ "شريعة"، فقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة ، في قوله تعالى ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  [الجاثية/18]
وورد شقيقه ، لفظ "شرعة"، في قوله تعالى وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة/48]
قال الإمام الطبري : "والشِّرْعة: الشريعة بعينها، تجمع الشِّرعة شِرَعًا، والشريعة شرائع، ولو جمعت الشرعة شرائع كان صوابا، لأن معناها ومعنى الشريعة واحد" .
وقال القرطبي : "والشِّرعة والشريعة : الطريقة التي يُتوصل بها إلى النجاة. والشريعة في اللغة: الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء. والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين، وقد شرع لهم يشرع : أي سن. والشارع: الطريق الأعظم."
فالشريعة في اللغة ، تعني الطريق العظيم والصراط المسقيم.
والشريعة في استعمال القرآن مساوية لمعنى الدين ، الذي هو الصراط المستقيم .كل ما في الأمر أن استعمال"الشريعة" ، هو باعتبار واضعها وهو الله تعالى ، فهو الذي شَرَعَ لَكُمْ ... ، وأما استعمال"الدين" فباعتبار من يدين به ، وهو الإنسان.
وبهذا المعنى الواسع الجامع للشريعة ، ألف الإمام أبو بكر الآجري ( المتوفى سنة360 هـ) كتابه الذي سماه ( الشريعة ) ، مع أن أكثر ما فيه مسائل عقدية وتربوية.
وبعده ألف المفكر الفيلسوف الراغب الإصفهاني ( المتوفى سنة 500 ، أو502 هـ) ، كتابه الشهير ( الذريعة إلى مكارم الشريعة ) ، وهو كتاب في فلسفة الأخلاق والتربية . فالراغب يعتبر ـ بحق ـ أن تهذيب النفوس والعقول والأخلاق من صميم الشريعة ومكارمها. وهو يُعرف مكارم الشريعة فيقول : "ومكارم الشريعة هي : الحكمة ، والقيام بالعدالة بين الناس ، والحلم ، والإحسان ، والفضل. والقصد منها أن تبلغ إلى جنة المأوى , وجوار رب العزة تعالى."
وقبل الوصول إلى جنة المأوى ، فإن مكارم الشريعة تتلخص في تحقيق الغايات الثلاث الكبرى للوجود الأنساني ، وهي : العمارة ، والعبادة ، والخلافة. يقول : " ومن لم يصلح لخلافة الله تعالى ، ولا لعبادته ، ولا لعمارة أرضه ، فالبهيمة خير منه"
فهذه هي الشريعة ، وهذه هي مكارمها ومقاصدها ، وهذا هو المفهوم الأول لها.
ومع التوسع العلمي وتشعب التخصصات العلمية ، ظهر استعمال الشريعة استعمالا اصطلاحيا. والاستعمال الاصطلاحي عادة ما يضيق من مدلولات الألفاظ ، ويقصُرُها على بعض مدلولاتها اللغوية.
ومن المعاني الاصطلاحية الخاصة التي استُعمل بها لفظ الشريعة ، المعنى الذي يعنبه الصوفية عندما يقابلون بين "الحقيقة والشريعة". فالشريعة هنا ، صُرف معناها إلى التكاليف والضوابط الشرعية الظاهرة ، الموجهة إلى"عامة" المكلفين . وأما الحقيقة ، فهي الجواهر والبواطن والأسرار التي يدركها "الخاصة" من العباد والزهاد والعارفين ...ومن هنا نشأ القول بعلوم الظاهر وعلوم الباطن ، وتم على هذا الأساس التفريق بين وظيفة الفقه ووظيفة التصوف.وهي كلها اصطلاحات وتقسيمات طارئة ، ينبغي ألا تحجب عنا المعاني والمفاهيم الشرعية، كم هي في نصوص الشرع ، وكما هي عند المتقدمين.
على أن أشهر استعمال اصطلاحي للفظ الشريعة ، هو استعمالها للدلالة ـ بصفة خاصة ـ على الأحكام العملية في الدين، أي كل ما سوى العقائد ، لكن مع الاحتفاظ في هذه الدلالة بجميع المجالات التشريعية العملية الواردة في الدين ، ومنها العبادات الظاهرة والباطنة ، والأخلاق والآداب . فالشريعة بهذا المعنى تشمل الدين كله إلا العقيدة . ومن هنا جاء استعمال عبارة " الإسلام عقيدة وشريعة." ، على أساس أن العقيدة غير الشريعة.
ومنذ قرون طويلة ، أصبح هذا المعنى هو الأكثر شيوعا واستعمالا لدى العلماء، ولكنه لم يُلغ المعنى الأول والأعم للشريعة والشرع ، كما أنه ظل واسعا وشاملا لكل المجالات التشريعية . فمجال الشريعة هنا أصبح تقريبا هو نفسه مجال "الفقه" ، بمعناه الاصطلاحي المعروف . ويبقى الفرق بينهما هو أن الشريعة تطلق على ما هو منزل ومنصوص وصريح ، من الأحكام ومن القواعد الشرعية ، بينما الفقه ـ أو علم الفقه ـ يراد به خاصة ما هو مستنبط ومجتهَد فيه.
وفي العصر الحديث اتجه استعمال اسم الشريعة نحو مزيد من التخصيص والتقليص، وخاصة حينما بدأ التعبير بلفظ " التشريع الإسلامي" ، على غرار " التشريع" بمعناه القانوني . وهكذا بدأ لفظ الشريعة والتشريع الإسلامي ، يطلقان على التشريعات المنظمة للحياة العامة . وهو اصطلاح العلامة ابن عاشور ، الذي يقول: " فمصطلحي إذا أطلقت لفظ التشريع أني أريد به ما هو قانون للأمة ، ولا أريد به مطلق الشيء المشروع. فالمندوب والمكروه ليسا بمرادَيْن لي، كما أرى أن أحكام العبادات جديرة بأن تسمى بالديانة."
وبهذا أصبح معنى الشريعة مماثلا ـ أو مقابلا ـ لمعنى القانون . ومن هنا جاءت المقابلة والمقارنة بين (الشريعة الإسلامية) و(القوانين الوضعية) . وقد تعززت هذه المقابلة ، وتحولت إلى خصومة ومنافسة ، بسبب ما تعرضت له أحكام الشريعة ـ المدنية والجنائية ـ من إزاحة قسرية ، لفائدة القوانين المستوردة من الغرب. وهذا ما جعل العلامة الأستاذ علال الفاسي يتحدث عن صراع بين ( الشريعة الإسلامية ) و(الشريعة الاستعمارية)، وذلك في كتابه القيم (دفاع عن الشريعة) .
في خضم عملية "التطهير التشريعي" ، التي سهرت عليها ـ وما زالت ـ الدول الاستعمارية ، ارتفعت درجة الحساسية ضد هذا المسار، بل أصبحت هذه الحساسية جزءا من الصحوة الإسلامية ومحركا من محركاتها . وهنا رُفع شعار"تطبيق الشريعة" ، الذي اتجه أساسا إلى الشريعة بأضيق معانيها ، أي الشريعة الممثلة في قوانين الدولة ومحاكمها ، باعتبار أن هذا المعنى هو"محل النزاع وميدان الصراع".
وبما أن أول وأبرز ضحايا "التطهير التشريعي" ، كان هو المجال الجنائي، فإن رد الفعل قد تركز على هذا المجال وعلى تضخيمه . وهكذا بدأت عملية اختزال لمفهوم الشريعة ولتطبيق الشريعة ، في تطبيق العقوبات الجنائية الإسلامية . وأصبحت "الحدود الشرعية" رمزاً لتطبيق الشريعة أو رمزا لتعطيل الشريعة .
والخلاصة : أن المعاني الخاصة والمضيقة لمفهوم الشريعة ، ينبغي أن توضع وتفهم في سياقها ومجالها ، وينبغي ألا تحجبنا أوتحجب عنا المعنى الأصلي والكامل للشريعة.وعلى هذا الأساس ، يمكننا التحدث عن تطبيق الشريعة .. فلنتابع










 حرية الاعتقاد وقضية الردة في الإسلام

هذه القضية ـ كما في العنوان ـ ذات شقين:
ـ الشق الأول، يتعلق بحرية الاعتقاد عموما ، وبحرية الاعتقاد ابتداء ، أي قبل الدخول في الإسلام . ففي هذه الحالة لا إشكال في حرية الاعتقاد واعتناق أي دين وأي عقيدة. فمن كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا فله دينه، وله أن يعيش عليه بين المسلمين ، لا يجبره أحد على ترك دينه والدخول في دين الإسلام . وها هو التاريخ والواقع شاهدان بذلك . فجميع الأديان والملل التي كانت موجودة في المجتمعات التي دخلت في الإسلام ، بقي منها من أراد البقاء على دينه ، إلى الآن.
وإذا كان هذا الحق ثابتا لغير المسلمين ، فمن باب أولى أن يُتحمل الخلاف العقدي وممارسة حرية الاعتقاد، داخل الدائرة الإسلامية . فقد عرفت الفرق الكلامية اختلافات ونقاشات عقدية شديدة ، ولم يقل أحد من العلماء بمنع طائفة ما ، أو معتقد ما. ولقد كانت هناك بعض التعديات والإذايات بسبب الاختلاف المذهبي والفكري، ولكنها لم تكن عن رأي أو فتوى لأحد العلماء أو لأحد المذاهب، وإنما هي من تعصبات العوام ، أو من تدخل بعض الحكام واستغلالهم لاختلاف المذاهب والطوائف الكلامية أو الفقهية أو الصوفية...، كالذي وقع للإمام أحمد بن حنبل وغيره في فتنة خلق القرآن ، وكما وقع للإمام ابن جرير الطبري مع عوام الحنابلة ، وكالذي وقع لفقهاء المذهب المالكي مع العبيديين ، ومع الدولة الموحدية في أول عهدها...
ـ الشق الثاني، هو قضية من يدخل في الإسلام ، ثم يرتد عنه. وهو الشق المقصود في هذه الحلقة.
والحقيقة أن قضية الردة وعقوبة المرتد ، هي من المعضلات في الفقه الإسلامي . وإذا كان الفقه القديم قد حل هذه المعضلة بطريقته ، وفي سياقه التاريخي وملابساته السياسية ، فإن الفقه الحديث مدعو لمزيد من النظر والمراجعة والاجتهاد لهذه القضية. وهو ما قد بدأ يحصل ، لكن على تخوف وتهيب، نظرا لوجود إجماع أو ما يشبه الإجماع ، على قتل المرتد ، عند الفقهاء المتقدمين.
وقبل أن أبدي رأيي في الموضوع ، أقدم بين يديه بعض القضايا والبيانات التمهيدية ، وهي:
1. القرآن الكريم ذكر الردة والمرتدين في عدة مواضع ، دون أن يذكر أي عقوبة دنيوية في الموضوع . من ذلك قوله تعالى وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة/217] ، وقوله  إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد/25]
ونحن نعلم أن القرآن الكريم نص على عقوبات لعدد من الجنايات الأكثر خطورة في الميزان الإسلامي؛ فقد نص على عقوبات القتل والسرقة والزنى والحرابة ، فكيف لم ينص على عقوبة الردة، مع أنه ذكرها مرارا وذكر عقوبتها الأخروية ، كما تقدم ؟! وكيف لم ينص عليها وهي أخطر من سائر الجنايات النصوص على عقوباتها ؟! ألا يدل هذا إما على أنها ليست لها ـ في ذاتها ـ عقوبة دنيوية ، أو أن أمرها مختلف عن بقية الجنايات التي نص على عقوبتها في القرآن؟
2. من الثابت أن الارتداد عن الإسلام كان أسلوبا من أساليب التلاعب والحرب النفسية، ضد الدعوة الإسلامية الفتية ، بغية فتنة أتباعها وتشتيت كيانها. وقد فضح القرآن الكريم هذا الأسلوب الماكر الذي كان يروجه بعض يهود المدينة ، ويوحون به للمشركين والمنافقين من العرب . قال الله عز وجل : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  [آل عمران/72]. وقد حكى القرآن من أساليب المنافقين : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة/14]، وقال أيضا إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [النساء/137]
3. بعض الأحاديث والأحداث المتعلقة بالموضوع ، تكشف عن جانب آخر لحركة الردة في الصدر الأول . فلم تكن الردة مجرد انتقال من دين إلى دين ، ولم تكن مجرد تغير فكري عقدي، بل كانت انتقالا من صف إلى الصف معاد له، ومن جيش إلى جيش محارب له. وهذا ما تشير إليه بعض روايات الحديث النبوي الصحيح ( لايحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث...)، وهو أصح حديث في الموضوع.
ففي رواية الصحيحين والترمذي ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لايحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إلـه إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة ). فالحديث لم يقتصر على المروق من الدين( وهي الردة )، بل أضاف إليه ترك الجماعة، أو مفارقة الجماعة، أو الخروج من الجماعة، كما في روايات أخرى. وهي إضافة لا يمكن أن تكون بدون فائدة زائدة وبدون أثر في موجب الحكم .
ومفارقة الجماعة، أو الخروج عن الجماعة، كانت تعني التمرد والمحاربة ، وربما الانضمام إلى العدو المحارِب. وهذا ما جاء صريحا في روايات أخرى لهذا الحديث. فعند أبي داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لايحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محاربا لله ورسوله، فإنه يُقتل أويصلب أو ينفى من الأرض، أويَقتل نفسا فيُقتل بها.)
وفي رواية النسائي، والطحاوي في مشكل الآثار، عن عائشة أيضا: (..أو رجل يخرج من الإسلام يحارب الله ورسوله، فيُقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض )
فهذه الروايات مقيدة ومبينة للروايات التي ورد فيها قتل المرتد مطلقا دون تقييد، لأنها زيادات وتقييدات صحيحة وفي نفس الموضوع.
ومجمل هذه الأدلة والملا بسات تؤكد أن الردة التي يحكم على صاحبها بالقتل ، كما جاء في الأحاديث والآثار ، إنما هي الردة المركبة ؛ أي الردة المحاربة ، والردة المتآمرة . فهي ردة مصحوبة بالنفاق والتلاعب بالدين ، أو مصحوبة بالتمرد والحرب على المسلمين ، أو مصحوبة بذلك كله.
وإذا كان الأمر كذلك ، فإن العقوبة على هذه الردة المركبة ، لا ينبغي أن تكون من باب الحدود ، بل هي من باب التعازير والسياسة الشرعية ، ومن باب التصرف بالإمامة . وقد تطبق فيها عقوبة الحرابة ، كما في حديث عائشة أعلاه . وكل هذا يقدر تبعا لظروف الإسلام والدولة الإسلامية ، من استقرار أو فتنة ، أو ضعف أو قوة ... وتبعا للأفعال المصاحبة للردة ، والمخاطر والأضرار الناجمة عن هذه الردة أو الخيانة.
وأما الردة البسيطة أو الردة المجردة ؛ أي ردة الشخص مع نفسه ومع فكره، سواء أسرها أو جهر بها ، فليست هي الردة الموصوفة في القرآن والحديث. ولذلك أرى أنها غير مشمولة بعقوبة الردة المركبة . بل هي مشمولة بنصوص وأدلة أخرى ، أبرزها وأصرحها قوله تعالى  لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  [البقرة/256]
فهذه الآية تقرر بصورة قاطعة شاملة، أن الدين لا مجال فيه للإكراه، ولا يقوم على الإكراه، ولا ينفع فيه الإكراه. وهذه حقيقة يقينية لا تخفى على أحد ؛ فالدين إيمان ، والإيمان اعتقاد إرادي طوعي، يأتي عن تصديق واقتناع واطمئنان يستقر في العقل والقلب، كما قال تعالى وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات/7] وكما جاء في الحديث الشريف"رضيتُ بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا"
وهذاكله لا مدخل للإكراه فيه وفي إنشائه . بل الإكراه لا يأتي إلا بالكره.
ولو كان للإكراه أن يتدخل في الدين ويُدخل الناس فيه، أو يستبقيهم فيه، لكان هو الإكراه الصادر عن الله عز وجل، فهو سبحانه وحده القادر على الإكراه الحقيقي والمُجْدي، فهو الذي يهدي من يشاء ، وهو الذي يُـحَول الإنسان ويُـحَول قلبه تحويلا حقيقيا ، فيجعل الكافر مؤمنا والمشرك موحدا والكتابي مسلما، ويمكنه أن يجعل جميع الناس مؤمنين مسلمين . ولكنه سبحانه ـ بحكمته ـ أبى ذلك ولم يفعله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، {وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 107].
فإذا كان الله عز وجل لم يكره الناس على الإيمان به، وهو الذي يملك ذلك ظاهرا وباطنا، وكذلك لم يأذن بشيئ منه لرسوله صلى الله علي وسلم ، حيث قال له: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية/21، 22] وقال له أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ، فكيف يأذن ، بل يأمر ولاة المسلمين ، بإكراه أحد على البقاء في الإسلام ، أو الرجوع إليه بعدما خرج منه ، تحت طائلة القتل؟!










 العمل بالأغلبية

"العمل بالأغلبية" ـ أو الأكثرية ـ يراد به : ترجيحُ الرأي الذي قال به أكثر المشاركين برأيهم في مسألة من المسائل المتداول بشأنها ، والأخذُ به .

وأما "الأغلبية" نفسها ، فهي العدد الغالب من ذوي الرأي في المسألة ، أي

  الإسلاميون والديموقراطية
يذكر كثير من علماء الأصول والمقاصد أن القضايا والمبادئ الكلية التي تأتي بها الشرائع المنزلة ، هي مما تدركه عقول الناس، ويشتركون في فهمه وتقبله والاتفاق عليه ، حتى قبل مجيئ الشرائع بها. وذلك كاتفاقهم على حسن العدل وقبح الظلم

 حرية الاعتقاد وقضية الردة في الإسلام

هذه القضية ـ كما في العنوان ـ ذات شقين:

ـ الشق الأول، يتعلق بحرية الاعتقاد عموما ، وبحرية الاعتقاد ابتداء ، أي قبل الدخول في الإسلام . ففي هذه الحالة لا إشكال في حرية الاعتقاد واعتناق أي دين وأي عقيدة. فمن كان

 حرية التعبير في الإسلام ..فطرة الله التي فطر الناس عليها
منذ عدة سنوات بدأت أرى وأقتنع ـ أكثر فأكثر ـ أن هناك عددا من القضايا ، تحتاج منا إلى جهاد كبيرـ علمي وفكري وتربوي ـ من أجل العودة بها إلى الوراء، وإلى أقصى وراء...
لا أعني بالوراء لا القرون الوسطى، ولا ما بعدها ولا ما قبلها ، ولا بعد الميلاد ولا قبل الميلاد.
أعني بالوراء : الرجوع إلى البداية ، إلى الفطرة السليمة والبداهة القويمة فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ذلك الدِّينُ

 الدين والسياسة: تخوفات وتحفظات

ربطُ السياسة بالدين ، أو إدخال السياسة في الدين ، أو تديين السياسة ، أو تسييس الدين ... أياً كان الإسم ، فالمسمى عليه اعتراضات وتحفظات كثيرة . والمعترضون تختلف درجات اعتراضهم ، كما تختلف أسباب اعتراضهم. ويمكن ـ باختصار ـ تصنيفهم إلى صنفين:
ـ صنف رافض للدين غيرُ مؤمن به . وهؤلاء عادة ما يكون رفضهم لأي ربط بين الدين والسياسة مبدئيا وجذريا.بل هم يرون الدين نفسه سببا للتخلف والبلايا ...
ـ صنف يؤمن بالدين وبوظيفته ومكانته ، لكن في غير المجال

 الدين والسياسة

بقلم الأستاذ أحمد الريسوني:
ما علاقة الدين بالفلسفة؟
ما علاقة الدين بالعلم؟
ما علاقة الدين بالسياسة؟
ما علاقة الدين بالدنيا؟
هذه الأسئلة وغيرها ، أسئلة قديمة جديدة .
ـ كثيرون يريدون أن يدخلوا في الدين كل شيئ في الدين وأن يستخرجوا منه كل شيئ . حتى قال بعضهم : " لقد أحصى القرآن كل شيئ ، فلا حاجة بنا لأية معارف أخرى؛ لأن هذه المعارف الأخرى : إما أن تكون مؤيدة لما في القرآن ، فهي إذن فضول ، وإما أن تكون معارضة له ، فهي

 أحكام الدين وأحكام الدنيا في الفكر الإسلامي

لعل عنوان هذه الحلقة لايعبر عن حقيقة القضية التي أريد تناولها ، ولا يعكس أبعادها وأهميتها ، على نحو ما أعنيه . وذلك راجع إلى كون قضيتنا هذه ، ليست مطروقة على النحو المركب الجامع ، الذي أريد بيانه الآن . وفي إشارات سريعة إلى بعض مضامين القضية وتجلياتها ، يمكن أن أذكر من مشمولاتها:
ـ علاقة ما هو ديني بما هو دنيوي ، والفرق بينهما في التشريع الإسلامي
ـ الثابت والمتغير في التشريع الإسلامي ،

 الدور التركي وضرورة المعاملة التفضيلية لتركيا

لقد أصبح جليا أن تركيا أصبحت تضطلع بدور إيجابي متعاظم في عدد من القضايا العربية والإسلامية والدولية. وأكثر ما تجلى ذلك في قضية فلسطين ومواجهة المظالم التي يرزح تحتها الشعب الفلسطيني. بل يمكن القول: إن أكبر الإنجازات التركية التاريخية في العقود الأخيرة، هو التحول العميق - الرسمي والشعبي - من القضية الفلسطينية، ومن العلاقة مع الكيان اليهودي الغاصب المعتدي.
ولقد أراد الإسرائليون - بمجزرتهم الأخيرة ضد سفن الغوث لقطاع غزة - توجيه ضربة قاسية للدور التركي، ولكن الضربة ارتدت في نحورهم

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10

إسم المقالة التاريخ

النوع

 قراءة
* نظرات في كتاب الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغ 7/1/2007 نظرات في كتاب الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغ
* المسؤولية الجماعية والمصير المشترك من خلال حديث ال 7/23/2002 دعوة
* المسجد مؤسسة جماعية 6/4/2002 دعوة
* أثر الواقع في تقرير الأحكام وتنزيلها 1/1/1900 فقه
* بين فكر الحركة وحركة الفكر 11/5/2005 في نقد الحركة الإسلامية
* الحركة الإسلامية بين الدين الشرعي والدين الوضعي 10/8/2005 في نقد الحركة الإسلامية
* الحركة الإسلامية بين الدين الشرعي والدين الوضعي 1/5/2005 في نقد الحركة الإسلامية
* وتزودوا من أرض فلسطين 11/14/2005 مقالة
* المذهب المالكي بالمغرب بين الإهمال والاستغلال 11/5/2005 مقالة
   




   
   
     Réaliser par Widesoft Systems